جامعة عباسية شاملة من القرن الثالث عشر تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة في بغداد، تشتهر بإيواناتها المهيبة وزخارفها الآجرية المتقنة وتدريس المذاهب الفقهية الأربعة.
تقف المدرسة المستنصرية على الضفة الشرقية لنهر دجلة في بغداد، شاهداً معمارياً فريداً وتحفة من العصور الوسطى صمدت أمام اجتياح المغول والتحولات العثمانية والنزاعات الحديثة. شُيّدت المدرسة عام 1227 م (625 هـ) بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور المستنصر بالله، واكتمل بناؤها في عام 1233–1234 م (631 هـ)، لتكون واحدة من أقدم الجامعات الشاملة المنشأة لهذا الغرض في الحضارة الإسلامية. وقبل قرون من انتشار الجامعات متعددة الكليات في أوروبا، جمع المستنصر المذاهب الفقهية السنية الأربعة تحت سقف واحد، وزوّد المجمع بمساكن للطلبة، ومستشفى تعليمي، وصيدلية عامة، ومكتبة ضخمة، وساعة مائية فلكية فريدة.
يقع هذا الصرح الآجري المرمم جنوب جسر الشهداء مباشرة على ضفاف رصافة بغداد التاريخية، مقدماً لزواره سجلاً مادياً حياً لعظمة العصر العباسي المتأخر.

العمارة: هندسة الآجر والإيوانات
تجسد عمارة المدرسة المستنصرية قمة براعة البناء بالآجر وخصائص العمارة الرافدينية في أواخر العصر العباسي. يشغل المجمع مساحة مستطيلة يبلغ طولها نحو 106 أمتار وعرضها 50 متراً، تنتظم حول فناء مركزي مفتوح.
وتشمل أبرز المعالم المعمارية:
- تخطيط الإيوانات الأربعة: خلافاً للمدارس ذات القاعة الواحدة في القرون السابقة، يتمحور التخطيط حول قاعات مقببة ضخمة (إيوانات) تنفتح مباشرة على الفناء. ويحيط إيوانان كبيران بارتفاع طابقين بالجانبين القصيرين (الجنوبي الشرقي والشمالي الغربي)، وكانا بمثابة قاعات رئيسية للمحاضرات والاجتماعات.
- الزخارف الآجرية والترابية المنحوتة (التراكوتا): بدلاً من الاعتماد على القاشاني المزجج الذي ساد لاحقاً في العمارة الإيرانية، تبرز المستنصرية حرفية تشكيل الآجر العراقي. وتزدان المداخل وواجهات الفناء بألواح ترابية محفورة بدقة، وأفاريز هندسية تضم نجوماً ومضلعات، وخطوطاً متعرجة متداخلة، وأشرطة كتابية بالخط العربي.
- البوابات الضخمة وأشرطة النقوش: تبرز البوابة الشمالية الشرقية الرئيسية بعقد مدبب غائر تحيط به ثلاث حليات متداخلة من الأنماط الهندسية المجدولة. ويعلو البوابة نقش تأسيسي من عشرة أسطر بخط الثلث يخلد رعاية الخليفة المستنصر. وعلى الواجهة الخارجية الجنوبية الغربية المطلة على النهر، تشكل نتوءات الآجر أنماطاً بارزة فوق شريط كتابي يوثق الترميمات اللاحقة.
- الأروقة ذات الطابقين وحجرات الطلاب: على امتداد الجدارين الطويلين للفناء، يمتد صفان من الأروقة ذات العقود المدببة في طابقين. تؤدي هذه الأروقة المفتوحة إلى حجرات ضيقة مقببة مخصصة لسكن الطلاب وخلواتهم الدراسية الهادئة.

مركز عالمي للعلوم في العصور الوسطى
قبل تأسيس المستنصرية، كانت المدارس في العالم الإسلامي تقتصر عادةً على تدريس مذهب فقهي واحد. لكن الخليفة المستنصر غيّر هذا النمط بتأسيس مؤسسة تضم المذاهب الفقهية السنية الأربعة المعترف بها: الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي.
خُصص لكل مذهب جناح دراسي مستقل، وكراسٍ للأساتذة، وأماكن لإقامة الطلاب في أركان المبنى الأربعة. ولم يقتصر المنهاج التعليمي على الفقه وتفسير القرآن، بل شمل علوماً متعددة:
- دار الحديث ودار القرآن: أقسام متخصصة كانت تقام فيها جلسات التلاوة ومدارسة الحديث النبوي تحت إشراف كبار العلماء، مع تخصيص أوقاف لرعاية ثلاثين يتيماً لدراسة القرآن الكريم.
- مدرسة الطب والمستشفى التعليمي: ضمت المدرسة كلية للطب يديرها رئيس أطباء، ملحقاً بها بيمارستان (مستشفى تعليمي) وصيدلية لتوزيع الأدوية، حيث تلقى الطلاب تدريباً سريرياً عملياً إلى جانب العلوم النظرية.
- الرعاية العامة والرواتب: كان التعليم العالي في المستنصرية مؤسسة وقفية مجانية بالكامل؛ حيث حصل الطلاب على السكن والمأكل والملبس والعلاج مجاناً، فضلاً عن رواتب مالية شهرية منتظمة.
- المكتبة الكبرى: احتوت المدرسة على خزانة كتب أوقف لها الخليفة في البداية نحو 80,000 مجلد، وذكر المؤرخون أنها نمت بشكل مطرد عبر العقود التالية واستقطبت النساخ والعلماء من شتى الأصقاع.
- الساعة الفلكية المائية: في عام 1235 م، ابتكر المهندس علي بن ثعلب الساعاتي ساعة مائية في دهليز المدخل، تعمل على تحديد الساعات ليلاً ونهاراً بإسقاط كرات نحاسية ورصد حركة الأجرام السماوية لتنبيه الأساتذة والطلاب بأوقات الصلاة.

التاريخ والترميم الحديث
لم يمضِ على افتتاح المدرسة سوى خمسة وعشرين عاماً حتى حاصرت قوات المغول بقيادة هولاكو خان بغداد واجتاحتها في شباط/فبراير 1258 م، مسقطةً الخلافة العباسية. ورغم تدمير معظم معالم المدينة وإلقاء مكتباتها في نهر دجلة، فإن البنية المشيدة بالآجر المحروق للمستنصرية صمدت أمام الكارثة.
وفي عهد الإلخانيين، رُممت المدرسة وأعيد افتتاحها، وعُيّن المؤرخ والعالم ابن الفوطي مديراً لها وخازناً لمكتبتها عام 1281 م. ومع ذلك، أدت فيضانات دجلة المتكررة وأوبئة الطاعون وحملات تيمورلنك في عامي 1392 و1401 م إلى تعطيل الدراسة وتضرر مؤسسات بغداد.
وخلال العصر العثماني، استُخدم المجمع لأغراض مدنية وتجارية؛ فزار الرحالة الأوروبي كارستن نيبور بغداد في منتصف القرن الثامن عشر ووجد التجار يتخذون أجزاء من المبنى خاناً لاستراحة القوافل. وفي عام 1865، في عهد السلطان عبد العزيز، جُدد المبنى وحُوّل إلى مستودع للجمارك العامة (الكمرك).
بدأت جهود الترميم الحديثة عام 1945 عندما باشرت مديرية الآثار العامة العراقية أعمال تنقيب وصيانة منهجية، فأزيلت الدكاكين الملاصقة للجدران الخارجية، ورُممت العقود والزخارف الآجرية. وفي عام 1960، افتُتح المجمع متحفاً للفنون الإسلامية. وتدير المبنى اليوم الهيئة العامة للآثار والتراث، وهو مدرج ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لليونسكو.

دليل الزوار العملي
الموقع والمحيط
تقع المدرسة المستنصرية في حي الرصافة التاريخي ببغداد على الضفة الشرقية لنهر دجلة، بمحاذاة جسر الشهداء. وتفصلها خطوات معدودة عن شارع المتنبي وسوق السراي ومقهى الشابندر والقصر العباسي المرمم.
التخطيط للزيارة
- ساعات العمل: تفتح المدرسة أبوابها عادة من الأحد إلى الخميس، من الساعة 8:30 صباحاً حتى 2:00 بعد الظهر. وتُغلق في العطل الرسمية مع تقليص ساعات العمل خلال شهر رمضان.
- رسوم الدخول: تُشترى التذاكر عند المدخل (تتراوح عادة بين 10,000 و15,000 دينار عراقي للزوار الأجانب). يُنصح بالتأكد من المواعيد محلياً مسبقاً لاحتمال تنظيم زيارات رسمية أو أعمال صيانة.
- مدة الزيارة: خصص ما بين 60 إلى 90 دقيقة للتجول في أروقة الطابق الأرضي، وصعود الشرفات المطلة على الفناء، وتأمل النقوش والزخارف الآجرية الفريدة.
- التصوير: يُسمح بالتصوير الشخصي بكاميرات الهواتف في الفناء والأروقة، بينما يتطلب استخدام الحوامل الثلاثية أو التصوير التجاري إذناً مسبقاً من إدارة الموقع.
المصادر
- أرشنت (مركز الآغا خان للتوثيق): "المدرسة المستنصرية"، مسح معماري وتاريخ المبنى، https://archnet.org/sites/3836، تم الاطلاع في آذار/مارس 2025.
- مركز التراث العالمي لليونسكو: "المعالم التاريخية لنهر دجلة في رصافة بغداد الممتدة من المستنصرية إلى القصر العباسي"، القائمة التمهيدية، تم الاطلاع في آذار/مارس 2025.
- مديرية الآثار والتراث العراقية / طارق جواد الجنابي: دراسات في العمارة العراقية في العصور الوسطى، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1982.
- هانس يورغ شميد: مدرسة الخليفة المستنصر في بغداد (بالألمانية)، دار فيليب فون زابرن، ماينتس، 1980.
- كارستن نيبور: رحلة إلى الجزيرة العربية والبلدان المجاورة (بالألمانية)، توثيق نقوش بغداد واستخدامات المدرسة، كوبنهاغن، 1774–1778.
❓الأسئلة الشائعة
إليك إجابات على الأسئلة الشائعة حول المحتوى أعلاه
تأسست عام 1227 م على يد الخليفة العباسي المستنصر بالله، وتعد من أوائل الجامعات الشاملة للتعليم العالي في العالم الإسلامي، حيث جمعت تدريس المذاهب الفقهية السنية الأربعة إلى جانب علوم الطب والرياضيات والفلك.
تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة في جانب الرصافة التاريخي ببغداد، مباشرة بجوار جسر الشهداء وعلى مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من شارع المتنبي.
نعم، على الرغم من الدمار الواسع الذي ألحقته قوات هولاكو ببغداد، إلا أن بنيان المدرسة المتين المشيد بالآجر صمد، وأعيد ترميمها واستئناف الدراسة فيها في عهد الإلخانيين.
تجسد المدرسة عمارة العصر العباسي المتأخر بطراز الإيوانات الأربعة الملتفة حول فناء مستطيل بمساحة 106×50 متراً، وتتميز بزخارف الآجر المحفور والتراكوتا وأشرطة الخط العربي البديعة.
إلى جانب علوم القرآن والفقه، ضمت المستنصرية مدرسة للطب ومستشفى تعليمياً وصيدلية، بالإضافة إلى كراسي علمية لتدريس الرياضيات والنحو والأدب والفلك.
نعم، الصرح التاريخي المرمم مفتوح لاستقبال الزوار العراقيين والدوليين في أوقات الصباح والظهيرة خلال أيام العمل الرسمية، ويمكن دمجه بسهولة مع جولة في شارع المتنبي والقصر العباسي.