يتربع دير مار متى على المنحدرات الجنوبية لجبل الألفاف، وهو ملاذ سرياني أرثوذكسي يعود إلى القرن الرابع الميلادي ويوفر إطلالات بانورامية خلابة على سهل نينوى.
دير مار متى
يتربع دير مار متى (ديرو دمار متى) على السفح الجنوبي لجبل الألفاف (جبل مقلوب)، ويُعد واحداً من أقدم الأديرة المسيحية المأهولة باستمرار في العالم. يقع الدير على بُعد 38 كيلومتراً شمال شرق الموصل في محافظة نينوى، ويرتفع هذا المعلم السرياني الأرثوذكسي العائد إلى القرن الرابع الميلادي نحو 820 متراً فوق مستوى سطح البحر مستنداً إلى جروف كلسية شاهقة. ومن شرفته الحجرية، يشرف الدير على امتداد سهل نينوى باتجاه حوض دجلة.
عبر قرون من الصراعات الإقليمية والعلوم اللاهوتية وتغير الحدود، احتضن الدير النساك المتعبدين والقرويين والزوار. واليوم، يأخذ الطريق المتعرج الصاعد إلى جبل الألفاف المسافرين إلى مهد الرهبنة المسيحية المبكرة والتراث الحي للمجتمع السرياني في العراق.

الأصول التاريخية والتأسيس
تأسس دير مار متى عام 363 ميلادي خلال عهد الإمبراطور الروماني يوليان المرتد. ووفقاً للروايات السريانية الأرثوذكسية الموثقة لدى Mesopotamia Heritage، فر الراهب الناسك مار متى من الاضطهاد الديني في آمد (ديار بكر الحالية في تركيا). متجهاً جنوباً إلى بلاد ما بين النهرين العليا برفقة عدد من زملائه النساك، استقر متى في الكهوف الكلسية الطبيعية في جبل الألفاف.
تربط التقاليد المحلية صومعة متى بالبلاط الملكي في نينوى؛ إذ تروي الأساطير أن متى شفى الأميرة سارة من مرض عضال. وبعد اعتناق سارة وشقيقها الأمير بهنام المسيحية، أقدم والدهما الملك سنحاريب (سنحاريب نمرود) على إعدامهما. ولاحقاً، اعتنق الملك المفجوع النادم المسيحية، وطلب المغفرة من متى، وموّل بناء ملاذ حجري دائم على الجبل.
بحلول القرن الخامس، ازدهرت الحياة الرهبانية هنا؛ ونال جبل الألفاف اسمه (جبل الآلاف) استناداً إلى الروايات التاريخية التي تفيد بأن آلاف النساك عاشوا في كهوف جروفه وصوامعه وقاعاته الرهبانية. وفي القرون اللاحقة، أصبح دير مار متى مقراً لمفريان الشرق — المطران الذي يقود الأبرشيات الشرقية للكنيسة السريانية الأرثوذكسية — واحتفظ بروابط لاهوتية امتدت إلى كنيسة مالانكارا السريانية في جنوب الهند.
العمارة والتخطيط الديري
عند الاقتراب عبر الطريق الجبلي المتعرج، يبدو دير مار متى وكأنه منحوت في صلب الصخر. بُني المجمع الحجري المتدرج من الحجر الجيري المحلي المستخرج من التلال المحيطة، ليتصاعد بشكل طبيعي بمحاذاة سفح الجبل.

كنيسة القديس متى وبيت الشهداء
في قلب المجمع تنتصب كنيسة القديس متى. تتميز هذه القاعة الحجرية ذات القبو البرميلي بالعمارة السريانية التقليدية: جدران حجرية سميكة، نقوش آرامية منحوتة، بوابات مقوسة، وستائر طقسية مطرزة أمام المذبح. وفي بيت الشهداء المجاور (بيت سهديه) يقع ضريح مار متى ومدافن مفارنة وأساقفة القرون الوسطى، ومن بينهم العلامة والمفريان غريغوريوس بار عبريا (1226–1286).
خزانة المخطوطات
طوال العصور الوسطى، كان دير مار متى منارة فكرية كبرى للأدب السرياني وزخرفة المخطوطات. قام النساخ هنا بنسخ وترجمة النصوص المقدسة والفلسفة والتواريخ الإقليمية. ورغم أن قروناً من النزاعات والحرائق دمرت أجزاء واسعة من الأرشيف، لا تزال المكتبة تحتفظ بمخطوطات سريانية نادرة ونفائس مذهبة ترجع إلى القرن الثالث عشر وما بعده. وقد قامت مشاريع تراث دولية، بما في ذلك جهود دعمتها منظمة L'Œuvre d'Orient، برقمنة النصوص الناجية لحفظها للباحثين.
كهوف النساك والشرفات الصخرية
تمتد الممرات من الفناء المركزي نحو الكهوف الكارستية الطبيعية والصوامع المنحوتة في الصخر عبر واجهة الجرف العلوية. عاش أوائل النساك في هذه الملاذات الجافة المعرضة للرياح طوال العام، ولم يكونوا يجتمعون في الحرم الرئيسي إلا لخدمة قداس الأحد. يمكن للزوار السير عبر مسارات الجرف العلوية لمشاهدة مساكن النساك القديمة، مع التمتع بإطلالات واسعة على امتداد سهل نينوى.

أوقات الزيارة والمعلومات العملية
- الموقع: جبل الألفاف (جبل مقلوب)، محافظة نينوى، العراق. يبعد حوالي 38 كم شمال شرق الموصل و90 كم شمال غرب أربيل.
- أوقات الزيارة: يفتح أبوابه يومياً من الساعة 8:00 صباحاً حتى 5:00 مساءً. قد يتم تعليق الدخول إلى الكنيسة الرئيسية مؤقتاً أثناء الصلوات أو الطقوس الخاصة.
- رسوم الدخول: مجاناً. التبرعات النقدية الطوعية لصيانة المبنى ودعم المجتمع الرهباني مرحب بها.
- العيد السنوي: يحتفل الدير بعيد القديس متى في 18 أيلول/سبتمبر، حيث يتجمع آلاف المسيحيين السريان والزوار على الجبل لأداء الصلوات والقداديس في الهواء الطلق ومشاركة وجبات الطعام.
- أفضل وقت للزيارة: يوفر فصل الربيع (من آذار/مارس إلى أيار/مايو) درجات حرارة معتدلة وسفوحاً خضراء ورؤية صافية عبر شمال نينوى، كما يشير موقع TravelDojo. كما يتميز الخريف (من أيلول/سبتمبر إلى تشرين الثاني/نوفمبر) بطقس لطيف مماثل. أما في الصيف (من حزيران/يونيو إلى آب/أغسطس)، فغالباً ما تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية، مما يجعل الزيارات الصباحية الباكرة أمراً ضرورياً.

كيفية الوصول وآداب الزيارة
يعد دير مار متى رحلة نهارية سهلة ومثالية سواء من أربيل أو الموصل. من أربيل، يسلك السائقون الطريق السريع المتجه غرباً نحو برطلة قبل التوجه شمالاً عبر طرق فرعية معبدة نحو سفح جبل الألفاف؛ حيث يوصل طريق جبلي معبد مباشرة إلى باحة وقوف السيارات العلوية.
نظراً لأن جبل الألفاف يقع ضمن محافظة نينوى خارج الحدود الإدارية لإقليم كردستان، يمر المسافرون عبر نقاط تفتيش تابعة للشرطة الاتحادية العراقية والقوات الأمنية المحلية. يتعين على الزوار الدوليين حمل جواز السفر الأصلي والحصول على تأشيرة اتحادية عراقية نافذة أو تأشيرة إلكترونية (لا تكفي تأشيرة إقليم كردستان فقط). ويُعد استئجار سائق خاص مرخص من أربيل أو الموصل أسهل وسيلة لاجتياز نقاط التفتيش بسلاسة دون تأخير.
يُرجى من الزوار مراعاة التقاليد الرهبانية:
- اللباس المحتشم: تغطية الكتفين والركبتين. وغالباً ما ترتدي النساء غطاء للرأس عند دخول أماكن الصلاة النشطة.
- خفض الصوت: مار متى دير نشط يقيم فيه الرهبان؛ لذا يُرجى الحفاظ على الهدوء داخل قاعات الكنيسة والممرات.
- التصوير: التصوير مرحب به في الشرفات الخارجية والباحات والمطلات البانورامية. ويُرجى طلب الإذن قبل تصوير الرهبان أو مذابح الكنيسة أثناء أداء الصلوات.
المصادر
- Mesopotamia Heritage — "Mar Mattai Monastery" https://www.mesopotamiaheritage.org/en/monuments/le-couvent-de-mar-matta/ تم الوصول في نيسان/أبريل 2025
- TravelDojo — "Mar Mattai Monastery" https://www.traveldojo.com/mar-mattai-monastery/ تم الوصول في نيسان/أبريل 2025
- Visit Iraq — "Christian Heritage in Northern Iraq: A Guide to Alqosh, Mar Mattai, and the Nineveh Plains" https://visit-iraq.com/en/blog/christian-heritage-in-northern-iraq-a-guide-to-alqosh-mar-mattai-and-the-nineveh تم الوصول في نيسان/أبريل 2025
❓الأسئلة الشائعة
إليك إجابات على الأسئلة الشائعة حول المحتوى أعلاه
تأسس دير مار متى عام 363 ميلادي على يد الراهب الناسك مار متى، الذي فر من الاضطهاد الديني في عهد الإمبراطور الروماني يوليان المرتد واستقر في كهوف جبل الألفاف.
يقع الدير على المنحدرات الجنوبية لجبل الألفاف (جبل مقلوب) على ارتفاع 820 متراً، ويبعد حوالي 38 كيلومتراً شمال شرق مدينة الموصل في محافظة نينوى.
تستمر ساعات الزيارة يومياً من حوالي الساعة 8:00 صباحاً حتى 5:00 مساءً، مع إمكانية تقييد الدخول إلى المقاصير الداخلية أثناء أوقات الصلوات الرهبانية أو الخدمات الطقسية.
لا توجد رسوم دخول إلزامية لزيارة باحات الدير أو الكنيسة الرئيسية، ولكن التبرعات الطوعية المخصصة لصيانة الموقع والضيافة الرهبانية موضع تقدير.
ينبغي على الزوار ارتداء ملابس محتشمة تغطي الكتفين والركبتين، والتحدث بهدوء في الأماكن التعبدية، وطلب الإذن المسبق قبل تصوير الرهبان أو المذابح الداخلية.
نعم، يمكن زيارة دير مار متى بسهولة كرحلة نهارية بسيارة خاصة، حيث تستغرق الرحلة حوالي 1.5 إلى 2 ساعة من أربيل، أو 45 إلى 60 دقيقة من وسط الموصل، مع مراعاة إجراءات نقاط التفتيش الأمنية المعتادة.