في قلب بطولات المحيبس الرمضانية في بغداد، حيث تتنافس فرق الأحياء في الكاظمية والأعظمية بالمقاهي التاريخية عبر قراءة الوجوه ولغة الجسد.
تبقى بغداد بعد غروب الشمس في رمضان مستيقظة بالكامل. فبمجرد انتهاء العائلات من وجبة الإفطار وصلاة التراويح، تمتلئ المدينة بالحشود المتجهة نحو الأزقة والمقاهي والمراكز الثقافية والساحات العامة لمتابعة لعبة متجذرة عبر القرون تُعرف باسم المحيبس.
تعتبر المحيبس أشهر رياضة شعبية جماعية في العراق، تجمع بين المبارزة النفسية والمسرح الشعبي. ويقع مركزها الأساسي في منطقتي الكاظمية والأعظمية المطلتين على ضفاف نهر دجلة، حيث تتواجه فرق الأحياء في مواجهات حماسية تعتمد على الخداع ولغة الجسد والفراسة.

أصول لعبة الخاتم
تستمد اللعبة اسمها من كلمة "محبس"، وهي اللفظة العراقية للخاتم الذي يرتديه الرجال. ويشير المؤرخ الفلكلوري العراقي عادل العرداوي إلى أن السجلات المكتوبة للعبة المحيبس تعود إلى العهد العثماني في بغداد خلال القرن السادس عشر، وفق ما نقلته المونيتور. وعلى مر القرون، تحولت الألعاب العفوية في الشوارع إلى بطولات منظمة تضم أندية وقواعد رسمية ومنافسات على مستوى المحافظات.
وبينما تجتذب كرة القدم الحشود الأكبر نهاراً، فإن المحيبس تستحوذ تماماً على ساعات الليل الرمضاني. ويؤكد جاسم الأسود، اللاعب المخضرم ورئيس الاتحاد العراقي للمحيبس، في حديث لصحيفة العربي الجديد أن المحيبس "لعبة تراثية، لعبة أجدادنا، وتجمع كل العراقيين".
تضم المحيبس التنافسية اليوم قرابة 400 فريق في مختلف أنحاء العراق، مع تصفيات محلية تجري في أحياء بغداد مثل الكاظمية والأعظمية والكرخ والرصافة والمشتل.

كيف تُلعب المحيبس
تبدو القاعدة الأساسية بسيطة: يخفي أحد الفريقين الخاتم، وعلى الباحث من الفريق المنافس معرفة أي قبضة تخفيه. وخلال جولات المباراة، يتطلب العثور على الخاتم دقة ملاحظة وهدوء أعصاب واستنتاجاً متزناً.
- الإخفاء. يجلس فريقان يضم كل منهما ما بين 20 إلى 40 لاعباً في صفين طويلين متقابلين. يغطي الفريق المخفي أحضان وأيدي لاعبيه بغطاء أو قماش طويل. يمر الموزع خلف الغطاء ويدس الخاتم في راحة أحد زملائه سراً بعيداً عن أعين المنافسين.
- ثبات الملامح. بمجرد رفع الغطاء، يمد جميع لاعبي الفريق المخفي قبضاتهم المغلقة للأمام. لا أحد يرمش أو يتحرك. ينظر البعض للأمام مباشرة، ويبتسم آخرون، بينما يثبت البعض نظراتهم لإرباك الباحث وتشتيت تركيزه.
- البحث. يرسل الفريق المنافس باحثه، المعروف في اللهجة العراقية باسم "الطلب" أو "المُخْرِج". يُمنح الباحث عشر دقائق لفحص عشرات القبضات المغلقة واستخراج الخاتم.
- الإسقاط وصيحة "بات". يعتمد الباحث على أسلوب الإسقاط والاستبعاد؛ فيمشي بمحاذاة الصف ويأمر اللاعبين المشتبه في عدم امتلاكهم للخاتم بفتح أيديهم والخروج من الجولة. وإذا استبعد الباحث بالخطأ اللاعب الذي يحمل الخاتم، يصيح الفريق المخفي بصوت واحد "بات!" (بمعنى أن الخاتم "نام" بأمان)، محققاً نقطة لفريقه.
- القرار الحاسم. إذا استبعد الباحث اللاعبين الأبرياء دون المساس بالخاتم، يتخذ قراره النهائي وينقر على قبضة محددة مطالباً اللاعب بإظهار الخاتم. التخمين الصحيح يمنح فريقه الفوز بالجولة، ويحرم الخصم من النقطة، وينقل الخاتم إلى صفوف فريقه. تتكرر الجولات حتى يصل أحد الفريقين إلى النتيجة المحددة، وغالباً ما تمتد المباريات إلى ساعات متأخرة من الليل قبيل السحور.

التنافس بين الكاظمية والأعظمية
تترسخ أقوى تقاليد اللعبة بين منطقتي الكاظمية والأعظمية، وهما حيان تاريخيان في بغداد يتقابلان عبر ضفتي دجلة. وتلتقي فرقهما في كل رمضان منذ عقود طويلة.
خلال فترات النزاع الطائفي في منتصف العقد الأول من الألفية، حافظت المحيبس على جسور التواصل مفتوحة بين الضفتين. وتذكر باقر الكاظمي، قائد فريق الكاظمية، في مقابلة مع كوردستان 24 أن اللاعبين واصلوا اللقاء حتى عندما أغلقت أعمال العنف الشوارع المحيطة؛ بل وأقيمت مباريات بين فريقي الأعظمية والكاظمية فوق جسر الأئمة الرابط بينهما، مؤكدين التلاحم والروح الرياضية في وجه الفرقة.
وتستقطب المباريات حول المراقد والساحات العامة أجيالاً متعاقبة؛ حيث يجلس المخضرمون الذين يقرؤون أدق الارتجافات بجانب الشباب، ليعلموهم كيف يكشف نبض العنق أو شدة المفاصل أو التغير الطفيف في التنفس صاحب الخاتم.

خوض تجربة المحيبس في مقاهي بغداد
يمكن لزوار بغداد خلال شهر رمضان حضور هذه البطولات الشعبية بسهولة.
تتميز المباريات بأجوائها الحماسية وصخبها الاجتماعي. وكما أوردت مجلة أنترفيو، تترافق المنافسات مع إيقاعات الطبول وأهازيج الهوسات العراقية والنقاشات الحادة بين المشجعين حول القرارات التحكيمية. ويتحرك عمال المقاهي بين الحضور حاملين استكانات الشاي الحار بالهيل، بينما تُقدم صواني البقلاوة والزلابية العراقية مع ختام الجولات قبيل الفجر.
من مقاهي الكاظمية الشعبية إلى القاعات الواسعة في مجمع الشعب ببغداد، تقدم المحيبس مشهداً ينبض بالحفاوة واليقظة والأصالة البغدادية.
Sources
- Al-Monitor: Salam Faraj, "Iraqis find Ramadan joy in centuries-old ring game", published March 22, 2025, https://www.al-monitor.com/originals/2025/03/iraqis-find-ramadan-joy-centuries-old-ring-game (Accessed: October 2026).
- The New Arab: Staff & Agencies, "Iraqis find Ramadan joy in centuries-old ring game Mheibes", published March 23, 2025, https://www.newarab.com/news/iraqis-find-ramadan-joy-centuries-old-ring-game-mheibes (Accessed: October 2026).
- Kurdistan24: AFP, "Iraqis Find Ramadan Joy in Centuries-Old Ring Game", published March 23, 2025, https://www.kurdistan24.net/en/story/831224 (Accessed: October 2026).
- Entrevue: News Service, "In Baghdad, the incredible game of the ring during Ramadan evenings", published March 24, 2025, https://entrevue.fr/en/a-bagdad-lincroyable-jeu-de-la-bague-pendant-les-soirees-du-ramadan/ (Accessed: October 2026).
- Wikipedia: "Mheibes", https://en.wikipedia.org/wiki/Mheibes (Accessed: October 2026).
❓الأسئلة الشائعة
إليك إجابات على الأسئلة الشائعة حول المحتوى أعلاه
المحيبس هي لعبة شعبية تراثية عراقية تعتمد على الخداع وقراءة لغة الجسد وتُلعب في ليالي شهر رمضان؛ حيث يتنافس فريقان كبيران في إخفاء خاتم صغير في قبضة أحد اللاعبين ومحاولة الفريق الآخر كشف مكانه.
تُلعب يومياً خلال ليالي شهر رمضان المبارك بعد الإفطار، وتُقام في المقاهي الشعبية التاريخية والمراكز الثقافية والساحات الرياضية في عموم العراق، ولا سيما في أحياء بغداد كالأعظمية والكاظمية.
يدرس الباحث أو الطلب تعابير وجوه اللاعبين وتنفسهم وحركات أعينهم ولغة أجسادهم بدقة، ويقوم باستبعاد المشتبه بهم تدريجياً قبل توجيه قراره النهائي نحو قبضة يد محددة.
'بات' هي صيحة تراثية باللهجة العراقية تعني أن الخاتم أمضى ليلته بأمان، ويهتف بها الفريق المخفي احتفالاً عندما يقوم الباحث عن طريق الخطأ باستبعاد اللاعب الذي يحمل الخاتم بالفعل.
الكاظمية والأعظمية هما حيان تاريخيان متجاوران على ضفتي نهر دجلة، وأصبحت مواجهاتهما رمزاً للوحدة الوطنية والتآخي العراقي، حيث أقيمت المباريات حتى فوق جسر الأئمة خلال أصعب فترات التوتر والانقسام.
نعم، يُرحب بالزوار والسياح في المقاهي والساحات العامة في بغداد خلال رمضان لمشاهدة بطولات المحيبس، حيث يجتمع الناس حتى وقت السحور وسط كرم الضيافة والشاي والحلويات التراثية.


